فخر الدين الرازي
248
القضاء والقدر
وصف اللّه نفسه بأنه رب العالمين ، وجب أن يقال : إن كل ما أوصل اللّه إلى الغير فإنه منفعة ، وأنه تعالى إنما أوصلها إليهم لغرض الإحسان إليهم . وهذا إنما يتم على قولنا . فإنا نقول : إنه تعالى ما خلق الخلق ، وما كلف أحدا إلا لغرض الإحسان إليهم . فأما على قول الجبرية ، وهو أنه تعالى خلقهم للنار والعذاب الدائم ، فهذا لا يكون ربا ولا مربيا البتة . قال أهل السنة والجماعة : هذه الآية من أدل الدلائل على صحة قولنا . وبيانه من وجوه : الأول : إن العالم كل موجود سوى اللّه ، فتكون أفعال العباد من جملة العالم . ولما كان ربا للعالمين ، وجب أن يكون ربا لأفعال العباد والرب هو المتصرف بالشيء فيلزم كونه متصرفا في أفعال العباد ، والتصرف في أفعال العباد لا يكون إلا بخلقها وتكوينها . فدلت هذه الآية على أنه تعالى خالق لأفعال العباد . الثاني : إنه تعالى لما علم أن الكافر لا يؤمن ، وأنه لا يستفيد من صيرورته مأمورا بالإيمان إلا استحقاق العذاب الدائم ، فكيف يمكن أن يقال : إنه تعالى إنما كلفه لغرض الإحسان ؟ ومثاله : من وقع في البئر ، وعلم إنسان علما يقينا : أنه لو رمى إليه حبلا ، فإنه يخنق نفسه ، ثم إنه مع هذا اليقين رمى إليه حبلا ، وقال : غرضي منه : أن يستعين به على الصعود من البئر . فإن كل أحد يقول : إنك علمت أنه لا يصرف ذلك الحبل إلا إلى مضرة نفسه ، فكان إلقاء الحبل إليه محض الإضرار . فكذا هاهنا . الثالث : إن الإيمان أكثر نفعا للعبد من كل سواه ، ولما كان إيمان العبد من خلقه ، كان تربية العبد لنفسه أكمل من تربية اللّه له . فوجب أن يكون كون العبد ربا ومربيا لنفسه ، أكمل من كون اللّه ربا ومربيا له . وهذا يوجب أن يصح من اللّه التمدح بكونه ربا للعالمين . واللّه أعلم الفصل السادس في قوله : مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ « 1 » قالت المعتزلة : الدين هو الجزاء . والجزاء إنما يحسن على الفعل فإذا كان لا فعل للعبد ، امتنع ترتب الجزاء عليه . فوجب أن يكون مالكا ليوم الدين .
--> - ومستحقه . وقيل : صاحبه . . . والرب يطلق في اللغة على المالك والسيد والمدبّر والمربي والقيّم والمنعم . وقال ابن الأنباري : الرب ينقسم على ثلاثة أقسام يكون الرب المالك ويكون الرب السيد المطاع ويكون الرب المصلح . . . ورب المعروف والصنيعة والنعمة يربها ربّا ربابا وربّبها نماها وزادها وأتمها وأصلحها . . » ( 3 / 1546 - 1552 ) . ( 1 ) قارن تفسير الرازي 1 / 242 .